تكون هذه الظاهرة أوضح في النزاعات طويلة الأمد، مثل النزاع في سوريا. فالثوار استطاعوا مرة تلو أخرى ان يقلصوا فارق القوة الكبير الذي كان دوما لصالح النظام، وعلى الأرض تمكنوا من تعديل الميزان وقلبه لصالحهم في مواقع كثيرة جدا. ولكُم أن تستحضروا دخول مضادات الدروع ومضادات الطيران الى جبهات القتال وما سبقها من تصعيد غير حاسم من النظام.
وقبل ان أكمل دعوني أعرض للموقف بشكل مختصر جدا من وجهة نظر مختلفة، تشبه وجهة النظر الأمريكية: في الشرق الأوسط وعلى حدود اسرائيل توجد مجموعات مسلحة، مختلطة المشارب والمآرب معظمها إن لم يكن كلها لا يكنّ المودة للولايات المتحدة، وهي مجموعات تخوض مواجهات مسلحة مع نظام حكم يترنح. وهذا النظام يعجز عن السيطرة على مجريات الأمور ما جعل المواجهات أشد وأكثر تكافؤا وهذا جيد. وبعد كل هذه الفترة فإن احتمال سقوط النظام يزداد واحتمال ان يستعيد سيطرته على أراضيه يقل. أما أن يقضي تماما على هذا المجموعات المسلحة فهو أقرب للاستحالة بعد كل ماحصل.
التفاصيل كثيرة والشرح قد يطول، لكن فيما يتعلق بمجزرة الغوطة واحتمالات الرد الأمريكي أريد أن أقول أنه اذا كان ما سبق صحيحا، وإذا استحضرنا اتفاق المجتمع الدولي على إطالة أمد النزاع في سورية وتطورات المواجهة المسلحة فيمكن أن نقول أن تصعيد النظام باستخدام السلاح الكيمياوي بهذه الطريقة الفجة سيؤدي عاجلا أم آجلا الى رفع مسوتى المواجهات لتستخدم فيها الأسلحة غير التقليدية.
أي أن استخدام نظام بشار الاسد للسلاح الكيماوي في صراعه-الذي لن يستطيع حسمه بسرعة- ضد هذه المجموعات المسلحة سوف يدفعها للحصول على سلاح غير تقليدي، وهي في الأغلب ستحصل عليه، وهذا يشكل تهديدا مياشرا للمصالح وللقوات الأمريكية في المنطقة. بخاصة إذا اتفقنا أن سلاحا دخل السوق السوداء لن يخرج منه الى الأبد على الأغلب.
في هذه الحالة لم يعد مهما من هو الذي استخدم السلاح بقدر أهمية من هو الذي وفر هذا السلاح وسمح باستخدامه. أي أن تقريرا يفيد باستخدام الثوار للسلاح الكيمياوي هنا أو هناك لا يعفي النظام من العقوبة، بل على العكس قد يزيدها اذا كان هو المالك الأسبق لهذا السلاح أو إذا ثبت أنه سمح أو تغاضى عن تمكين الثوار من استخدامه.
ولذلك يتوقع أن تقر المجالس الأمريكية الضربة، وكذلك الفرنسية وستشارك جميع الدول التي لها قوات متمركزة في الشرق الوسط في الضربة، وقد تشارك روسيا وإيران باتخاذ مواقف سلبية لتجنب تحدي الولات المتحدة ولتجنب أن تواجه يوما خصوما انفصاليين أو ثوريين قادرين على استخدام أسلحة كيمياوية.
ولذلك أيضا قد تكون الضربة قوية (عسكريا واقتصاديا وسياسيا) تنهي على الأقل قدرة النظام على استخدام أي سلاح غير تقليدي وتجعله عبرة لكل من تسول له نفسه أن يتناسى مصالح الدول الكبرى ويهدد قواتها في أي مكان.
والمهم من وراء كل هذا، هو أن القوة فقط هي التي تجبر جميع الأطراف على التصرف وليس غيرها. فلولا أن "المجموعات المسلحة غير المنضبطة" باتت في وضع يوحي بأنها لو أرادت، فإنها تستطيع أن تصل في يوم قريب لاستخدام هذا النوع من السلاح، ربما لما تحرك أحد!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق