من أغرب ما يمكن أن يعترض الإنسان العربي هذه الأيام قصة .. عفوا، ملحمة مصلح الغسالة التي ينشرها الإخوان المسلمون في مصر وغير مصر لإقناع الناس بضرورة منح الرئيس مرسي فرصة تزيد عن مد رئاسته بسنة لإدارة شؤون البلاد كما يريد، قبل محاسبته!!
القصة باختصار شديد هي أن رجلا طلب من فني أن يصلح له غسالة بيته، وعندما بدأ الفني بعمله قام صاحب البيت بالضرب بشدة على الغسالة، فتوقف الفني عن عمله مستغربا! لكن صاحب البيت طلب منه استكمال عمله وكأن شيئا لم يكن. وعندما عاد الفني لعمله عاد الرجل للضرب وكرر هذه الحركة العبقرية عدة مرات حتى غضب الفني وصرخ معلنا أنه لا يستطيع إصلاح الغسالة إذا استمر صاحب البيت بهذا التصرف. والرسالة المؤثرة جدا هي أنك إذا لم تكن تستطيع إصلاح غسالة وشخص يضرب عليها فما بالك بالرئيس مرسي يريد إصلاح البلد وهناك من يعتصم ويضرب (من الإضراب وليس الضرب) .. يا أخي أعطوه فرصة أربع سنوات حتى يصلح ثم حاسبوه!
وأنا لا زلت لا أفهم كيف تستفاد هذه الرسالة من هذه الملحمة؟! لكن لدي ملاحظات لم أعد أطيق كتمها!
انتخاب الرئيس يختلف إلى حد ما عن استئجار فني لإصلاح غسالة، وحدة وحدة معي..
موضوع أن "يخبط" صاحب البيت على الغسالة خيال واسع شديد الاتساع في الحقيقة ربما ورد بسبب الضرورة الملحمية.. لكن الطبيعي أن يقف صاحب البيت ويتابع عمل الفني ويسأل عما يريد عمله وتغييره في الغسالة، أليس هذا من حق صاحب البيت يا بشر؟ تخيلوا لو أن الفني صاح غاضبا: لو سمحت يا باشا، اطلع واقفل الباب وراك.. وبعد ما أخلص لو الغسالة ما اشتغلتش جيب غيري! لكن أنا مش ممكن أشتغل وانته واقف على راسي كدة! ماذا يفترض أن يكون رد فعل صاحب البيت الطبيعي في هذه الحالة؟
ثم مهما كان الوضع والسيناريو، هل يمكن أن يسكت صاحب البيت عن تصرف يعتبره هو خطأ قد يعطل الغسالة تماما، مثل أن يقوم الفني بغسل المحرك بالماء والصابون أو طرق الحوض بالشاكوش أو حتى أقل من ذلك بكثير؟! من البديهي أن على الفني أن يقنع صاحب البيت بأن كل عمل يقوم به هو عمل منطقي ومهم وسيؤدي إلى إصلاح الغسالة، ببساطة لأن صحاب الغسالة هو الذي دفع ثمنها وهو الذي سيضطر لشراء غيرها إذا قام الفني بإعطابها بشكل كامل.. هذه من ضروريات المهنة.
إن ما يحصل عادة في الديموقراطيات وحصل فعلا في مصر أشبه بالمثال التالي: أن الرجل اقترح فني لإصلاح الغسالة وأصرت جماعته (زوجته) على فني آخر بحجة أن الرجل أكثر خوفا من الله، وأنه سبق وعمل مع شركة جنرال إلكتريك الأمريكية (مع أن الغسالة LG!!).. وتحت الإصرار والضغوط أحضر الرجل هذا الآخر لدواعي الاستقرار العائلي، مع أنه غير مقتنع نهائيا بكفاءة هذا المهندس..
تخيلوا لو أن الجماعة (أقصد زوجة صاحب البيت) فوق هذا بدأت بالتبرير والدفاع عن كل أعمال وتصرفات الفني المنطقية وغير المنطقية (بالنسبة للرجل) بشكل مطلق بدلا من مساعدة زوجها في الإشراف على عمل الفني! .. تخيلوا!
أخيرا، هناك نقطة لم ينتبه لها حكيم التبرير الذي وضع القصة.. وهي أن من حق صاحب البيت أن يطرد الفني متى شاء لأي سبب حتى لو كان لا يتعلق بعمله! ولا يحق للفني أن يطالب بفرصة إضافية، كل ما له هو أجرة وقته الذي أمضاه فقط.
واحد صفر..
عموما.. لم أكن لأقف عند القصة لولا أنها وصلتني من أكثر من صديق وحبيب ومعلم.. وكأنها فعلا قصة.. أقصد رواية مفحمة!
يا أيها الناس تذكروا قول الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (8) سورة المائدة
.jpg)